مقالات

هوية الرسوم الصخرية ودلالاتها

تنجز الأشياء لتحقق أهدافاً تكون معلومة قبل انجاز الأشياء، وأن اختل هذا الشرط يكون ما انجز عبثاً لا معنى له ولا هدف. عندما نطبق الشرطين سالفي الذكر على الرسوم الصخرية التي تركها الإنسان القديم لا نستطيع أن نقول إنها أنجزت دون هدف مسبقة لأن أنجازها يتطلب جهداً ووقتاً واحترافية لا تتوفر لفاقد الهدف. من المستبعد أن نفكر بأنها أعمال أنجزت للتسلية، فالاحترافية التي فيها تدل على أنها أنجزت بدوافع وأهداف عامة لها صلة بحياة المجتمع ذي العلاقة بشكل عام.
كما أن الدقة في التنفيذ تتطلب أدوات متنوعة منها الكبير والصغير؛ ومنها أدوات النقش، والطرق، والحز، والحفر، والكشط، والتنقير، والنزع. ويلزم العاملين أيضاً سلالم، وحبال، ومكان إقامة مثل بيت شعر أو مأوى خشبي أو ما شابه ذلك. المهم أنه يحتاج إلى مكان يقيم فيه يكلف قيمة مادية. كما يحتاج إلى ماء وقد يكون مصدر الماء الصالح للشرب بعيد عنه، لذا يحتاج إلى وعاء نقل، ودابة نقل، وأجر شخص مسئول. وحيث يتطلب العمل في تلك اللوحات أياماً، فللعاملين في انجاز تلك اللوحات مطالب أخرى. أحد تلك المطالب الأجر مقابل العمل، فمن يعمل يريد أجراً له ولمن ينتظره من أهله في القرية أول المدينة ليدفع إليه مصاريفه ليقضي حاجاته. ما دام أن هذه التكلفة بشقيها المادي والعملي مطلوبة لإنجاز مثل تلك الأعمال، نجزم أنه كان لرسم آلاف اللوحات ونقشها هدف ثمين في نظر مخططيها ومنفذيها، وهذا الهدف لم نصل إليه بعد، ولم نستطع بعد الاستدلال عليه من خلال تفسير لوحات الرسوم الصخرية في حياة ومجتمع منتجيها.
هل جميع أهل تلك العصور فنانين؟ أينما حلو رسموا ما أرادوا، حتماً هذا غير صحيح، فالرسم موهبة لا تملكها غالبية الناس. وإن كان الجواب بلا، فإلى من ينتمي منجزي تلك الرسوم؟ وهل الرسامين والنقاشين والنحاتين يعملون دون مقابل؟ لا اعتقد، لأن متطلبات حياة الفرد والأفراد تقتضي الكسب للاستغناء عن الناس. هل انجاز مثل تلك اللوحات الضخمة فيه صخرة واستعباد؟ لا اعتقد، لو كان العمل في الزراعة لفكرنا بأن أحد عوامل انتاجه الصخرة والاستعباد. ولكن المساءلة هنا انتقائية واحترافية وهدفها عام، فالنقاش والنحات وبشكل عام أصحاب الفنون قلة في المجتمعات، وأينما وجدوا يكون لهم شأن، فلا مجال للتفكر في استعباد أو صخرة تلك الفئة لتعمل فيما لا ترغب أن تعمل فيه؛ ولا سبيل لتشغيلها بدون مقابل، بل يتطلب تشغيلها مقابل مجزئ لتفردها وندرتها. إذن: أنجاز تلك اللوحات الفنية له تكلفة مادية عالية تكفي لتوفير المستلزمات وأجر العاملين بمختلف فئاتهم، ولو لم يكن المردود المتوقع أثمن من المال المدفوع، لما أنجزت تلك اللوحات. وعليه، فما هو ذلك المردود.
هل هدفت تلك الرسوم إلى التخاطب مع من يراها بمنهج الرمزية؟ وهل كل عنصر فيها يرمز إلى شيء أو عدة أشياء؟ فعلى سبيل المثال، هل سنصل بتفحصنا محتويات لوحة تتكون من جمال وخيول ووعول وحمر وحشية ونعام وأسود إلى نتيجة تتجلى في أن اختيار محتويات تلك اللوحة جاء اعتباطاً؟ لا اعتقد. فعندما نحلل تلك اللوحة نجد أن عناصرها ليست إلا مكونات حياة مستقرة لها تجارة ورعي وصيد وزراعة وصناعة؛ وحياة برية لها رعي ونقل وتجارة واحتطاب. فالجمال هي وسيلة النقل الرئيسة، وهي إحدى وسائل الحرب والصيد والمطاردة، وهي مصدر الغذاء للمقيمين والرحل، وتحقق كثير من الفوائد مباشرة ومستخلصة من ألبانها وجلودها وصوفها وعظامها. لذا ترمز الجمال للاقتصاد المتنوع في المعارك والنقل والتجارة والصناعة وتوفير الغذاء. أما الخيل فهي عنصر يكاد ينحصر دوره في الحرب؛ والركوب بعد أن يكبر ويصبح غير فعال في الحروب. أما الوعول فهي مصدر غذاء في الغالب يُوفر عن طريق الصيد. وبالنسبة إلى الحمر الوحشية فترمز إلى الثروة الحيوانية البرية غير الأليفة. ويرمز النعام للطيور الكبيرة التي تمثل مصدر للغذاء بلحمها وببيضها الضخم، إلى جانب الاستفادة من ريشها وجلدها وعظمها. وتمثل الأبقار الثروة الحيوانية الأليفة بما توفره للإنسان من منافع مختلفة منها اللبن واللحم والجلد والعظام. أما الأسود فهي حيوانات خطرة لا تقل خطورتها عن خطورة الإنسان، لذا فهي مصدر التهديد لتلك الثروة ومالكيها، وهي رمز التعبير عن الخطر.
لو أردنا أن نمثل مكونات حياة الإنسان في الوقت الحاضر برسمها على سبيل المثال لاحتوت لوحتنا المفترضة على المزارع الممتدة ممثلة بنخلة، وقطعان الأبل الضخمة ممثلة بناقة أو جمل، والأغنام بأنواعها المتعددة ممثلة بخروف أو عنز، والبنوك بأموالها ممثلة ببناية، والطائرة كوسيلة نقل ممثلة بطائرة نقل، والحرب ممثلة بطائرات حربية كوسيلة حرب، والرياضة ممثلة بملعب كرة. وبدلاً أن تحويها صخرة من جبل، حوتها صخرة بناها الإنسان باسم متحف.
ألا يوجد بين هذا وذاك تشابه؟ نعم، يوجد! لذا فالهدف واحد، فإن كانت متاحف المدن مبنية بخرسانة وصالات عرض وغرف إدارة؛ فمتاحف القدماء صالاتها الجبال، ومتاحفها الفيافي، وإدارة عرضها النحات والرسام. فهدف هذا مثل هدف ذاك، وكلاهما يعكس حياة مجتمع بأكمله وبمختلف فتراته. عكس الإنسان القديم صورة مجتمعه بما يتوفر له، وعكس الإنسان الحديث صورة مجتمعه بما يتوفر له. وعليه فالمتاحف لا ينجزها إلا الأمم الغنية المتحضرة. إذن، نستبعد أن يكون أنجاز تلك الفنون لأجل التسلية أو قتل الفراغ، فهي تعكس ثروة المجتمع بنشاطاته المختلفة، والأرجح المجتمع المقيم الذي لم نقف بعد على أقدم مستوطناته، ولعلنا نعثر عليها في يوم من الأيام.

هوية الرسوم الصخرية ودلالاتها
بقلم أ.د. عبدالعزيز بن سعود بن جارالله الغزي