الاثار العربية

60 عاماً على اكتشاف «دلمون» زهرة الخلود


في السابع والعشرين من أبريل الجاري، يكون قد مر 60 عاماً، على بداية الاكتشافات الأثرية لحضارة دلمون العريقة. حيث تم اكتشاف أول الآثار على يد بعثة دانماركية تحت إشراف عالم الآثار بيبى كلوب والبروفيسور جيفرى بوب، وتركزت أعمال هذه البعثة في البحث والتنقيب عن آثار الحضارة القديمة في البلاد، وقد أثمرت عن اكتشاف حضارة شكلت محطة تاريخية مهمة، حيث كانت ملتقى للكثير من الثقافات، وكان التجار من مختلف البلدان يأتون إلى دلمون البحرين ويستقرون فيها لمدد طويلة.
وإذا كانت ملحمة جلجامش الشهيرة تذكر أن الإله «انكي» إله المياه نجا من الطوفان العظيم واختار أرض «ديلمون» ليعيش عليها هو وزوجته، وأنه اكتشف في قاع بحرها زهرة بيضاء تحمل سر الخلود، وتمضي الأسطورة إلى القول بأن الإله «انكي» كشف سر الخلود هذا، للبطل السومري الأسطوري العظيم «جلجامش» فتوجه من فوره إلى ديلمون للحصول على هذه الزهرة إلا أن الحية الشريرة سبقته إليها، فإن في علوم التنقيب وما تقوله الأرض عن التاريخ العريق الذي سجلته الحضارات على أرض البحرين، تبدو قصة أخرى. لقد ورد ذكر دلمون في نص تاريخي يعود إلى 3500 سنة قبل الميلاد تقريباً حينها كانت جزيرة متصلة اتصالاً وثيقاً تجارياً بالولاية السومرية لاغاش، ترسل إليها التمور والنحاس الخام وهو ما ثبت من خلال التنقيبات الأثرية الحديثة التي أكدت أن البحرين هي دلمون المشار إليها في تلك النصوص وكان بها مدن وقرى تعج بالرخاء والحياة.
التنقيبات الأثرية
أثبتت التنقيبات الأثرية أن حضارة دلمون لم تكن بمعزل عن الحضارات الأخرى المعاصرة لها بل تفاعلت معها وكانت حضارة لها ثقافتها المتميزة ولها صلاتها وارتباطاتها الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية مع الحضارات الأخرى كالحضارة الفينيقية البابلية وغيرها. واشتهرت حضارة دلمون بدورها البارز في مجال التجارة البحرية وصيد اللؤلؤ الأمر الذي جعلها وسيطاً تجارياً بين منطقة الخليج، والهند كما ارتبطت بعلاقات وثيقة بحضارة ما بين النهرين كما يظهر ذلك في ملحمة جلجامش الشهيرة.
ودلت الاكتشافات الأثرية والحفريات والنقوش ومجموعات من القطع الفخارية النادرة التي تم العثور عليها في مناطق متفرقة من البلاد على أن البحرين كانت مأهولة منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد.
التسلسل الحضاري
عبر كتابه القيم «التسلسل الحضاري لمملكة البحرين.. على ضوء نتائج التنقيبات الأثرية بين 1879-2000»، حاول الباحث الفذ د.عبدالعزيز صويلح، في 586 صفحة من القطع الكبير، وصور التنقيبات الأثرية، وأعمال البعثات التنقيبية؛ أن يوضح مساهمات الرواد ومختلف بعثات التنقيب، إلى جانب إبراز حجم النشاط الرسمي الوطني في كشف النقاب عن حضارة مملكة البحرين القديمة، وصولاً إلى إيضاح ما توصل إليه كل منها من نتائج أسهمت في التعرف، من خلال الدليل الأثري، حول المسيرة الحضارية لمملكة البحرين عبر التاريخ، بدءاً من العصور الحجرية (50.000 ق . م) وصولاً إلى الفتح الإسلامي (636 م) ودخول البلاد في حظيرة الدولة الإسلامية.
ورصد صويلح في كتابه الأعمال التي نفذتها كل بعثة من بعثات التنقيب والنتائج التي توصلت إليها والتقارير التي قدمتها حول إنجازاتها، وحدد الإضافة العلمية التي قدمتها كل بعثة من بعثات التنقيب على مستوى إثراء المعرفة التاريخية المتعلقة بتاريخ مملكة البحرين، والإسهام العلمي الذي قدمته كل بعثة من بعثات التنقيب على مستوى إثراء المعرفة التاريخية وتاريخ الحضارات، ورسم صورة حقيقية من خلال الدليل الأثري حول التسلسل الزمني لحضارة مملكة البحرين وحجم إسهامها في مسيرة الحضارة الإنسانية، حسبما أفرزته نتائج مختلف التنقيبات التي نفذتها بعثات وفرق التنقيب في المواقع الأثرية، مشيراً في كتابه إلى أن تلك الأعمال التنقيبية والمسوحات الأثرية تمخضت عن اكتشافات مختلفة تمثلت في مدن ومعابد، إضافة إلى التعرف على طرق مختلفة لدفن الموتى من خلال التنوع في أشكال تلال المدافن والأساليب التي اتبعت لحفظ جثامينهم.
ويجتهد كتاب صويلح في بيان قضية التأريخ وموضوعيته، من جهة؛ وقضية وثوقية وصدقية مصادر المعلومات التي يستند إليها المؤرخ وعالم الآثار من أجل إعادة تركيب الحقيقة، ورسم تصور شبه متكامل لنسق دورة العمل الخاصة بالمجتمع، أو بالمؤسسة التي تهمه، من جهة أخرى.
فوق قمة جبل الدخان
نقرأ في كتاب صويلح: لقد عثر على أقدم المستوطنات البشرية التي تعود إلى العصر الحجري القديم حوالي 50.000 ق.م، فوق قمة جبل الدخان وفي الصحراء المحيطة به، كما اكتشفت أيضاً مواقع تعود إلى العصر الحجري القديم الأوسط والعصر الحجري الحديث بمناطق شتى من جنوب جزيرة البحرين بدءاً من شمال جبل الدخان إلى رأس البر جنوباً. أما خلال فترة العبيد (4.500 – 3.500 ق.م) فقد تم التعرف على أكثر من خمسين موقعاً على امتداد الساحل الغربي للخليج العربي، من شمال المنطقة الشرقية من شبه الجزيرة العربية حتى دولة الإمارات العربية المتحدة. بينما شهدت فترة ما بعد العبيد (3.500 – 2.500 ق.م) على عدم اهتمام من قبل البعثات، لذلك لم يعثر على مواد أو مواقع تعود إليها، إلا أن فترة ما قبل دلمون (2.500 – 2.300 ق.م) تأثرت بثقافة أم النار، حيث اكتشفت تلال مدافن بموقع مدينة حمد، عثر فيها على أوان فخارية تشبه الأواني الفخارية التي تنسب لتلك الثقافة، بينما كانت فترة حضارة دلمون (2.300 – 500 ق.م) مهيأة الظروف لقيام حضارة على شكل حكومات بمدن صغيرة، على غرار المدن السومرية خلال الفترة ما بين الألف الثالث إلى الألف الأول قبل الميلاد، وهذه المدن صرفت كل عنايتها ونشاطها الاقتصادي في ممارسة التجارة وركوب البحر والاستفادة من خيراته من صيد لأسماكه واستخراج ما فيه من لؤلؤ.
موقع مهم
ويتابع صويلح أن مملكة البحرين شكلت من خلال موقعها الاستراتيجي بالنسبة للخليج العربي أهمية كبيرة خلال فترة حضارة دلمون ما بين الألف الثالث إلى الألف الأول قبل الميلاد؛ في اتخاذها محطة تجارية للسفن القادمة من الجنوب حيث مراكز حضارة وادي السند وحضارة مجان ومن الشمال حيث مراكز حضارة بلاد الرافدين وعيلام. فكانت تصل إليها مختلف البضائع من تلك المراكز وغدت مقراً لكثير من تجارها الذين تركوا الكثير مما يشير إلى اتخاذهم المملكة مركزاً لإدارة نشاطاتهم التجارية.
ويوضح صويلح أن الآثار الدلمونية التي عثر عليها في المدن الدلمونية بمملكة البحرين تعود إلى ثلاث مراحل تاريخية من عمر الحضارة الدلمونية في منطقة الخليج العربي، وهي على النحو التالي: فترة دلمون المبكرة: من 2.300 – 2.000 ق.م، وفترة دلمون الوسطى: من 2.000 – 1.000 ق.م وفترة دلمون المتأخرة: من 1.000 – 500 ق.م.
الفترة الأخمينية
وحول فترة الأخمينية لمملكة البحرين خلال الفترة (500 – 331 ق.م) يبين صويلح أن بهذه الفترة تبدأ مرحلة جديدة من عمر الحضارة في مملكة البحرين، يشوبها شيء من التدخل الفارسي المتمثل في الإمبراطورية الأخمينية من سنة 500 إلى 331 ق.م. حيث توسعت هذه الإمبراطورية في عهد قورش الثاني(559 – 530 ق.م) على حساب الأقاليم المجاورة لها، حتى ضمت إليها بابل وآشور، وقد امتدت سيطرتها على معظم مناطق العالم القديم من تخوم الهند إلى بحر إيجة وآسيا الصغرى وبحر العرب وبلاد الشام ومصر. وأدى ذلك لتوقف التجارة بين مملكة البحرين وبلاد الرافدين، من خلال فقد الخط الملاحي الذي يمر عبر الخليج العربي لأهميته وأصبحت حركة التجارة منقطعة ما بين بلاد الرافدين ومراكز حضارة دلمون والتي كانت السبب الرئيس والمباشر في قيامها، حيث بدأت خطوط التجارة البرية تنشط على حساب خطوط التجارة البحرية، مرجحاً أن المنطقة التي شملها اسم دلمون -بكافة مدنها في الجزر والساحل الشرقي للجزيرة العربية- وقعت تحت النفوذ الأخميني، ويدل على ذلك أحد النقوش التي تعود إلى زمن الملك الفارسي قورش الثاني.
تلال المدافن
بدوره يقول الباحث محمد معراج أن البعثات الأجنبية ساهمت في اكتشاف عدد كبير من تلال المدافن تغطي مساحة تقدّر بـ30 كيلومتراً مربعاً أو 5% من مساحة جزر البحرين، وقدر عددها بما يقارب 170 ألف مدفن، وهذا الكم الكبير من تلال المدافن يتركز في شمال ووسط وجنوب جزيرة البحرين وقد لفت انتباه جميع من زار البحرين من الأوربيين، مشيراً إلى أن هذه المدافن انتشرت في مناطق أهمها منطقة سار والجنبية ومدينة عيسى وباتجاه الجنوب الشرقي ومدافن قرية عالي وبوري ومدينة حمد وتمتد إلى القرى الجنوبية مثل دمستان وكرزكان والمالكية وأم جدر ومحمية العرين.
ويضيف معراج أن الاهتمام بهذه التلال يعود إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر للبحث لما تحتويه من كنوز أثرية، وتلال عالي الكبيرة الحجم كانت هي الهدف الأول للحفر، ومن قام بحفرها أولا كانوا ضباطاً ودبلوماسيين أوروبيين وأن بعضهم قام بتفجير هذه المدافن بالديناميت لتسهيل الوصول إلى غرفة الدفن.
ويتابع أن مساعد المقيم السياسي البريطاني الكابتن ديورند العام 1879 كان في مقدمة هؤلاء، وهو ما لاحظه المنقبون البحرينيون الذين اكتشفوا حجم التخريب والدمار في غرف الدفن عند محاولتهم تنظيف أحد المدافن الكبيرة المنقبة في عالي بقصد الاستفادة منها كنموذج للأغراض السياحية، لقد حفر ثيودور بنت مدافن أخرى العام 1889، بينما حفر جوانان مجموعة تلال أخرى العام 1903 وحفر الكولونيل بريدو 67 تلاً العام 1908 كما قام ارنست مكاي بحفر 34 تلاً وفي العشرينات، بينما حفر الميجر دالي أحد التلال الكبيرة وأخيراً جاء بيتر كورنوول العام 1940، وفي العام 1953 أرسلت بعثه دنماركية إلى البحرين برئاسة بي في غلوب وتي جي بيبي من متحف ما قبل التاريخ في آرهوس للبحث عن المستوطنات، وللرد على رأي يفيد بأن البحرين جزيرة المدافن. لتفنيد هذا الرأي استمرت مواسم التنقيبات حتى العام 1970 ثم لحقها موسم تنقيب برئاسة بيبي العام 1977. في العام نفسه بدأت البعثة الفرنسية التنقيب في البحرين برئاسة مونيك كرفران حتى العام 1982 لحقتها بعثة فرنسية أخرى برئاسة جان فرنسوا سال وبيير لمبارد منذ 1978العام في موقع أم جذر بالصخير تبعها عدة مواسم استمرت حتى العام 2000 في موقع قلعة البحرين والبعثة الإنجليزية برئاسة مايكل روف في معبد الدراز العام 1976 والبعثة الأسترالية من جامعة سدني العام 1979 والبعثة الهندية برئاسة Rafique Mughal العام 1980-1982 في المدافن المتشابكة في سار وما نشره موضوع أطروحة الدكتوراه. وبعثة هندية نقبت في مدافن مدينة حمد. وبعثة يابانية في مدافن عالي 1992. ويذكر المعراج أن بعثة من الدول العربية شكلت برئاسة الآثاري معاوية إبراهيم وقد نقبت في موقع «سار – الجسر» وقد شكل الفريق عن طريق اليونسكو، وقامت هناك حفرية إنقاذ وبعثة عربية أخرى برئاسة حسين قنديل في مستوطنة سار وبعثة أردنية برئاسة محمد النجار في المدافن المتشابكة (تل2) واكتشفت معبداً ساسانياً فوق هذه المدافن وجاءت بعثة أردنية أخرى في الموقع نفسه برئاسة هاني فلاحات العام 2007. وبعدها بعثة عراقية نقبت في مدافن سار- الجسر برئاسة منير طه، وقام فريق عراقي بترميم وصيانة مشهد الخميس 1976. ويبين المعراج أن قسم الآثار في البحرين بدأ منذ العام 1968 وكان تابعاً لدائرة التربية والتعليم آنذاك، وبحكم اهتمام الشيخ عبدالعزيز آل خليفة الذي كان يشغل منصب مساعد المدير أحاط هذا القسم بالرعاية وعمل على تطويره، وقد بدأت أعمال حفريات قسم الآثار العام 1969 في ثلاث تلال تعود لمقابر فترة تايلوس، هذا النموذج من التلال التي لايزال يكثر في قرية الشاخورة، وقد أعطيت هذه التلال أرقاماً تسلسلية. وفي العام 1970 افتتح أول متحف للبحرين في دار الحكومة والذي تزامن مع انعقاد أول مؤتمر للآثار في البحرين، وتوالت أعمال الحفريات الأثرية من قسم الآثار ولم تتوقف حتى الآن مواسم تنقيب تقدر مدتها بتسعة أشهر في السنة إذ لا تتوقف أعمال الحفر إلا في فصل الصيف، وكان الاكتشاف المهم في موقع قرية الحجر (تل 1) هو الذي سد ثغرة تاريخية في التسلسل الزمني لتاريخ البحرين وهي الفترة المفقودة في تلال المدافن وتلي فترة دلمون المبكرة. وكانت مكتشفات هذه القبور تعاصر الفترة الكاشية، والآشورية، والبابلية، أي فترات دلمون المتوسطة والمتأخرة، واستمر استخدام هذا التل في الفترة الهلنستية (اليونانية). وفي العام 1971 أشرفت على موقع الحجر (تل 2) 1970-1971 . وكذلك في الجانب الآخر من الشارع في قرية المقشع قامت مواسم متتالية لفريق العمل البحريني الذي أتى على نهاية التلال والمستوطنات الإسلامية في القرية حتى استمر إلى العام 2005، كما عمل فريق بحريني آخر في مواقع قرى جنوب جزيرة البحرين مثل كرزكان والقرى المجاورة وشرعت حفرياته في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وقد أعقبت أعمال الحفر هذه بحفريات إنقاذية لم يسبق لها مثيل في العالم وهي حفريات تلال مدافن موقع مدينة حمد إذ كثفت إدارة الآثار والمتاحف جهودها بأعمال متواصلة لم يوقفها حتى موسم الصيف الحارق واستمرت منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي 1980 وإلى الآن لم تتوقف أعمال الحفر أما مواسم التنقيب الأطول في العالم فقد كانت في الأعوام 1981، 1982،1983، 1984… 1990، 1992، 1993،… وأعطيت المنطقة تقسيمات للحروف الأبجدية اللاتينية كما أعطيت التلال أرقاماً تسلسلية، وقد أحيط حقلان من تلال مدافن دلمون بسياج مبنى من الحجر.
ظاهرة إنسانية
إن دلمون تعتبر واحدة من أقدم حضارات العالم حيث شكلت هذه الحضارة على مر العصور ظاهرة إنسانية متميزة ورسالة إبداع متفردة امتدت علاقاتها وصلاتها منذ القدم إلى حضارات كبرى في المنطقة مثل الفينيقيين في بلاد الشام وبلاد الرافدين في العراق ووادي النيل في مصر بل ومثلت همزة وصل حيوية بين تلك الحضارات.

كتب – جعفر الديري: من الوطن