مقالات

مصاحف نادرة في القاهرة ..

79

– مصحف “عثمان” كان يقرأ فيه وقت استشهاده ويحمل آثار الدم!
– أكبر مصحف في العالم طوله مائة وثمانون سنتيمتر بدار الكتب!
– مصحف كل ورقة منه تضم جزء كامل من القرآن وكل سطر يبدأ بحرف الألف!

“في دار الكتب المصرية بالقاهرة مجموعة من أندر المصاحف الشريفة يرجع بعضها إلى القرن الأول الهجري، كتب بعضها فوق رق الغزال، والبعض الآخر فوق قطع عريضة من عظام الجمال، نسخ أخرى من عصور شتى، قديمة ومتوسطة وحديثة، تتميز بينها هذه المصاحف التي خطت في الزمن المملوكي، التي تجلت فيها آيات الجمال، وروعة الفن العربي، كان سلاطين المماليك يوقفون الأموال الطائلة على نسخ المصاحف، وتذهيبها، خاصة المصاحف التي خصصت للمساجد التي تحمل أسمائهم والتي شيدوها أيضاً لتكون مقراً لمثواهم الأبدي”.

هكذا يؤكد الكاتب الكبير جمال الغيطاني في كتابه “ملامح القاهرة في ألف سنة” أن مصر تضم مجموعة من أندر المصاحف في العالم. بعضها معروض في متحف خصص لها الآن بمبنى دار الكتب المصرية، افتتح في ليلة القدر من شهر رمضان المعظم عام 1387 هـ، بمناسبة مرور أربعة عشر قرنا على نزول القرآن الكريم، والبعض الآخر محفوظ في خزائن دار الكتب لم يعرض بعد.

يوضح المعرض صور مختفة من التطور في نسخ المصاحف، إذ يضم نماذج مختلفة ربما كان أقدمها هذا المصحف الذي ينسب إلى سيدنا عثمان، وقد احضر إلى دار الكتب من مسجد سيدنا عمرو بن العاص، وذكر المقريزي أنه أحد المصحفين اللذين أحضروا إلى مصر، وأنه مصحف سيدنا عثمان الذي كان بين يديه يوم استشهاده، وأنه استخرج من الخليفة المقتدر، فأخذه أبو بكر الخازن وجعله في مسجد سيدنا عمرو بن العاص.

وتوجد صورة طبق الأصل من مصحف آخر ينتسب أيضاً إلى سيدنا عثمان، وكان أصله في سمرقند ثم نقل إلى بطرسبرج عاصمة روسيا القيصرية، وبعد ثورة 1917 نقل إلى كردستان، ويوجد الآن في طشقند، وقد نشرته جمعية الآثار الثار القديمة عى يد الخطاط المصور الروسي بلوساركس وتم طبع خمسين نسخة منه، والنسخة الموجودة حالياً في القاهرة أهديت إلى الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.

ويتوقف الكتاب أمام مجموعة من المصاحف نسخت في العصر المملوكي ذروة الفن العربي في كتابة المصاحف.

مصحف السطان محمد بن قلاوون

مصحف متوسط الحجم، المصحف كله مكتوب بماء الذهب بالخط الثلث، وهو من المصاحف النادرة كتب في 764هـ تبدو صفحاته بسيطة رقيقة، تجبر الناظر على طول التأمل والتمعن.

تميز السلطان محمد بن قلاوون بين سلاطين المماليك بطول مدة حكمه، أقام عديد من المنشآت لكن معظمها اندثر، أو وصل إلينا ناقصاً أو مشوهاً، تآكلت الجدران والقصور التي عمرها، شئ واحد فقط وصل إلينا من عصره سليماً، كأن لم يكتمل إلا البارحة، شئ واحد ظل زاهياً حتى الآن فكأن يداً لم تمسه عبر هذه القرون كلها مصداقاً لقوله تعالى: “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون” وهو المصحف.

مصحف سيدنا عثمان

في كتابه الشهير “الخطط المقريزية” يقول المؤرخ الكيبر المقريزي أنه رأى المصحف بعينيه وتبصر في ورقه وقصد بإيداعه فسطاط مصر ليحفظ مع سائر مصاحف المسلمين، وهو المصحف الذي نراه بمعرض المصاحف الدائم بدار الكتب المصرية، لقد ظل هذا المصحف في مسجد عمرو بن العاص حتى عام 1898 عندما نقل إلى مبنى دار الكتب المصرية، مع العديد من المصاحف التي كانت موجودة في المساجد الأثرية الكبرى بالقاهرة.

والمصحف مكتوب على رق غزال، ويقع في ثلاثة أجزاء وأطرافه متآكلة، وصفحاته أقرب للشكل المستطيل، وربما يكون هذا المصحف أقدم مصحف موجود في العالم منذ أن دون القرآن الكريم بعد جمعه في عهد خلافة سيدنا عثمان رضي الله عنه، والمصحف مكتوب بخط كوفي غير منقوط، ويحمل على بعض صفحاته آثار دم باهت قديم مما يؤكد الرواية التي تقول: إنه نفس المصحف الذي كان يقرأ فيه سيدنا عثمانا عندما استشهد.

مصحف السلطان برسباي

في دار الكتب المصرية مصحف شريف من جزئين، أوقفه السلطان المملوكي اشرف سيف الدين أبي النصر برسباي الدقماقي الناصري. والمصحف مكتوب في مجلدين ضخمين، طول الصفحة سبعون سنتيمتراً، وعرضها خمسون سنتيمتراً، والمصحف بمجلديه في حالة جيدة على الرغم من انقضاء أربعمائة وتسعة وخمسون عاماً من كتابته وإعداده.

تضم الصفحة الاستهلالية زخارف عربية جميلة باللازورد الأزرق، والذهب الخالص، وقد صيغت في هيئة رقيقة، لا تبرز إحساساً بالبذخ بقدر ما تبرز رقة وإحساساً مرهفاً خاشعاً، ويتوسط الزخرفة شكل مستوحى من الشمس. المجلد الأول يبدأ بفاتحة القرآن الكريم، وينتهي بسورة الكهف، أما المجلد الثاني فيبدأ بسورة مريم.

كان فتح جزيرة قبرص من أبرز الأحداث التي وقعت في عصر السلطان الأشرف برسباي، وأسر فيها ملك قبرص وشهدته القاهرة أسيراً مكبلاً بالأغلال يقول ابن إياس: “ثم إن السلطان أمر أن يعلق تاج صاحب قبرص على باب المدرسة الأشرفية وهو معلق إلى الآن”.

ولازال التاج معلقاً إلى يومنا هذا على مدرسة السطان برسباي، وفي داخل هذه المدرسة استقر المصحف الشريف، حتى نقل إلى مبنى دار الكتب حيث يستقر الآن.

مصحف السطان شعبان

في عام 1369 ميلادية تم كتابة مصحف كريم، يعد آية في الفن الإسلامي، وبعد إتمامه أقيم احتفال كبير قرأ فيه القرآن حضره السلطان شعبان الذي أوقف هذا المصحف للقراءة في مسجده.

وبرغم مرور أكثر من 600 عام على كتابة المصحف فإن توالي القرون لم يستطع أن ينل من زخارفه الجميلة، وخطه البديع، والمصحف معروض الآن في دار الكتب. ويوجد مصحف آخر من عصر السطان شعبان خاص بالسيدة خوند بركة والدته وهو محلى بالذهب واللازورد، ومكتوب بالخط النسخ الجميل.

أكبر مصحف في العالم

الداخل إلى القاعة المخصصة لعرض المصاحف النادرة بدار الكتب القومية بالقاهرة، يرى أول ما يرى دولاب ضخم، ارتفاعه حوالي ثلاثة أمتار، جميع جدرانه من الزجاج داخل الدولاب مصحف ضخم، يعتبر أضخم مصحف في العالم من حيث الحجم، والوزن إذ يبلغ طوله مائة وثمانون سنتيمتراً، وعرض الصفحة منه مائة وثلاثون سنتيمتراً، اما وزنه فيتجاوز طنين، إذ أن غلافه الخارجي من الفضة الخالصة المزخرفة والمشغولة بالذهب، يقع هذا المصحف في سبعة أجزاء وهو مكتوب بالخط النسخ وصفحاته من الجلد، والذهب مستعمل فيه في أجزاء مختلفة من صفحاته ووقفاته، وله غلاف آية في الإتقان والإبداع، وقد أهداه إلى مصر الأمير نواب بهوبال أمير مقاطعة يهوبال في وسط الهند، عام 1950.

أما المصحف نفسه فمكتوب في القرن الحادي عشر الهجري أي منذ حوالي ثلاثمائة سنة، أما الغلاف فقد صنع بالهند سنة 1321 هجرية، أي في بداية هذا القرن.

الغلاف الخارجي من الفضة الخالصة المؤكسدة، وكله مشغول بنقوش بارزة من أوراق النبات والغصون المتقاطعة، بحيث لا يوجد سنتيمتر واحد خال من النقوش الجميلة المتداخلة في دقة رائعة. أما الصفحات الداخلية فمحلاة بعدة إطارات عريضة. تتسع الصفحة الواحدة لسبعة سطور، ويحتوي كل سطر على ثلاث إلى خمس كلمات من القرآن الشريف، ويتخلل السطور ترجمة فارسية للقرآن الكريم مكتوبة بين سطرين منفصلين وبخط باهت لا يكاد يرى.

مصحف ثلاثين ورقة!

داخل فاترينة عرض زجاجية، نرى مصحفاً صغيراً، صفحاته من الورق لونها أصفر فاتح ويحيط بها إطار على شكل زاوية قائمة فيه أشكال زخرفية نباتية، ولكن هذه الزخارف ليست هي الملفتة للنظر، الملفت للنظر هذه الخاصية التي لا نجدها إلا في هذا المصحف، إذ التزم كاتبه الفنان والخطاط محمد روح الله بن محمد حسين اللاهوري بكتابة  المصحف كله في ثلاثين ورقة، تحتوي كل ورقة على جزء كامل من القرآن الكريم، كما التزم بأن يكون أول سطر من السطور مبتدئاً بحرف الألف، ونلاحظ أنه كتب المصحف كله بقلم نسخ دقيق، غاية في الدقة والجمال، وبحبر أسود فيما عدا حروف الألف التي تبدأ بها السطور فقد كتبها باللون الأحمر.

والغريب أن كلمات السطور كلها متساوية في المسافات والأحجام، أي أن الكاتب لم يلجأ إلى مد حرف أو إعطاء كلمة حجماًُ غير عادي لكي يبدأ كل سطر بكلمة تبدأ بحرف الألف، كما أن عدد كلمات كل سطر تكاد تكون متساوية تماماُ لكل السطور الأخرى. في دقة تبلغ حد الإعجاز، والمصحف كتب من حوالي 300 عام هجرية.

مصحف السلطان قايتباي

للسطان قايتباي مصحفان تحتفظ بهما دار الكتب المصحف الأول في قاعة العرض المتاحة للجمهور محلى بالذهب واللازورد الأزرق، ومكتوب بخط نسخ جميل وفواتح السور مزينة  بزخارف نباتية وزخارف مستوحاة من نجوم السماء. أما المصحف الثاني فمحفوظ في مكتبة محفوظات الدار بالطابق العلوس، ويبلغ حجمه ضعف حجم المصحف الأول ويقع في مجلدين ضخمين.

مصحف السطان برقوق

هذا المصحف الرائع الخضم ينفرد دون سائر المصاحف أنه كتب في ستين يوماً فقط، وبقلم واحد لم يتغير ولم ينقص ولم يطرأ عليه أي خلل، المصحف المكتوب بالخط الثلث الواضح، منقوش بالذهب والألوان الزاهية الرائعة، اللون الذهبي “استخدم فيه الذهب الخالص، والأزرق اللازوردي والأحمر الياقوتي، وتتخلل الألوان مساحات من البياض الجميل”

وقد عثر على هذا المصحف في مسجد برقوق بالنحاسين والذي يعد تحفة معمارية فريدة في تراث العمارة الإسلامية. وقد نقل المصحف من المسجد إلى دار الكتب.

مصحف الملك المؤيد

أوقف السلطان المؤيد شيخ حموي، مصحفاً كريماً كتبه موسى بن إسماعيل الحجيني، وهذا المصحف موجود الآن في دار الكتب اللمصرية، وهو كبير الحجم تكثر فيه زخرفة الصفحة الاستهلالية. به حليات وأهلة متناسقة الألون في المربع المركزي الذي يحيط به خطاران متداخلان والذي نجد فوقه وتحته المستطيلين اللذين يضمان الآيات القرآنية المكتوبة بخط كوفي، اما السور القرآنية فمكتوبة بالخط الثلث ويحتضن الجميع إطار ضيق يأتي بعده الإطار الخارجي الذي يحيط بالصفحتين المتقابلتين. والمصحف بحالة جيدة وألوانه زاهية كأنها رسمت بالأمس.

تجليد المصاحف

تتلمذ العثمانيون على المصريين والإيرانيين في فن تجليد الكتب، من هنا كان فن تجليد المصاحف العثمانية استمراراً لما كان عليه الحال عند الأمم الإسلامية قبل قيام الدولة العثمانية.\

استخدموا صفائح الذهب أو الفضة في كسوة الأغلفة الخشبية للمصاحف، وزينوها بالأحجار الكريمة، واستخدموا الجلد في تجليد المصاحف أيضاً، لقد عنى العثمانيون بفن وكتابة وتذهيب وتجليد المصاحف، وبلغت عنايتهم بها الغاية القصوى، وقد بلغ إكبارهم وتقديسهم لكتاب الله شأناً رفيعاً، يكفي أنه عرف عنهم أنهم إذا رأوا ورقة عليها كتابة عربية ملقاة فوق الأرض، ينحنون على الفور ويحملونها إلى مكان مرتفع أياً كان مضمون هذه الورقة.

admin

الرؤية: توفير محتوى عربي مميز
الرسالة: ايصال المعلومة بشكل شيق ومفيد

Add Comment

انقر هنا لإضافة تعليق

الاقسام

اعلانات