الاثار السعودية

مساجد الرياض القديمة..

الجامع الكبير وسط الرياض عام 1368هـ تقريباً وبجواره سوق الحراج الشهير
الجامع الكبير وسط الرياض عام 1368هـ تقريباً وبجواره سوق الحراج الشهير
الجامع الكبير وسط الرياض عام 1368هـ تقريباً وبجواره سوق الحراج الشهير

عاش سكان مدينة الرياض قديماً كغيرهم في شهر رمضان المبارك حلاوة الصيام بارتباطهم بالمساجد، حيث كانوا لا يغادرونها إلاّ لإفطار أو سحور أو منام، خاصة من كبار السن الذين خصصوا أوقات رمضان لملازمة المسجد بعد أن أنهوا جميع أعمالهم قبل بدء الشهر الكريم.

وقد كانت المساجد في ذلك الوقت بمبانيها الطينية تعج بالحياة والحركة، فهذا داخل وهذا خارج، وهذا منزو في ركن من أركان المسجد يتلو آيات من القرآن، بينما هناك شيخ في زاوية أخرى يبدو عليه الوقار يلتف حوله صبية كالتفاف الفراش على ضوء (الفنار) وهو يعلمهم ويحفظهم آيات من القرآن الكريم، وهذا شخص قائم يصلي ركعات في غير أوقات النهي وهو يستند الى سارية من السواري المنتشرة في (سرحة) المسجد، وهكذا تدب الحياة في المساجد، خاصة في رمضان، وتستمر الحركة منذ بزوغ الفجر الى أن يرخي الليل سدوله.

واشتهرت مدينة الرياض على مرّ الأزمان بمساجدها الكثيرة ويأتي على هرم هذه المساجد شهرة وحجماً وقِدَماً جامع الإمام تركي بن عبدالله (الجامع الكبير) الذي كان يعد بحق جامعة كبرى في عصره، حيث تقام فيه حلقات العلم التي يدرّس فيها كبار أهل العلم في ذلك العصر، والذين تتلمذوا على أيديهم جل علماء نجد لعدة قرون؛ مما أكسبه المكانة العلمية المرموقة التي ذاع صيتها في جزيرة العرب وما جاورها، وقبل الخوض في يوميات هذه المساجد والحركة التجارية الدائبة حولها كان لابد أن نسلط الضوء على أهم تلك المساجد وأشهرها في مدينة الرياض.
العطايف

جامع الإمام تركي

في أرض تسمى (النقعة) تقع وسط الرياض؛ أمر الإمام “تركي بن عبدالله بن محمد آل سعود” بإنشاء جامع سمي فيما بعد باسمه، وعيّن عليه الشيخ “عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ”، وقد أخذ في الاعتبار قربه من عدة أحياء، بالإضافة إلى قربه من قصر الحكم، وزاد في بنائه الإمام “فيصل بن تركي”، وأصبح الجامع من أكبر وأهم المساجد في مدينة الرياض وأعظمها؛ نظراً لما يحويه من أنشطة تعليمية وعلمية، وكان وما زال يمتلئ بالمصلين والعبّاد، وقرّاء القرآن الكريم وطلاب العلم والمعرفة.

وقد عين الإمام “عبدالله بن فيصل” الشيخ “محمد بن محمود” إماماً في الجامع الكبير، وكان قاضياً في الرياض عام 1283ه، وبعد تولي الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- الحكم اهتم كثيراً بشؤون الجامع الكبير.

ومن أشهر الأئمة في الجامع الشيخ “عبدالله بن عبداللطيف” حتى وفاته سنة 1339ه، ثم خلفه شقيقه الشيخ “عمر”، بالإضافة إلى أنه قد تولى إمامة الصلوات الخمس فيه الشيخ “سعد بن عتيق”، وفي عام 1370ه عُين الشيخ “إبراهيم بن سليمان المبارك” إماماً في الجامع، وكذلك أم فيه الشيخ “محمد بن عبد اللطيف” حتى وفاته عام1367ه.
ويعود أقدم ذكر لجامع الإمام تركي بن عبدالله (الجامع الكبير) بالرياض إلى ما أورده الباحث “راشد بن محمد العساكر” في كتابه (تاريخ المساجد والأوقاف القديمة في بلد الرياض)، حيث ذكر بأن أقدم ما اطلع عليه -في إشارة إلى هذا الجامع- ما ذكره وكتبه بيده قاضي الرياض مقرن الشيخ “زامل بن موسى بن جدوع بن سلطان بن زامل اليزيدي”، وذلك بعد أن فرغ من نسخ أحد الكتب الفقهية بعد صلاة العصر، وذلك بمسجد (جامع بلد مقرن) من قرى نجد، وكان ذلك في سنة 1073ه (1663)، وتحديداً عندما كانت بلد مقرن من أشهر المدن النجدية بعد القرن العاشر الهجري.
في جامع الإمام تركي.. وتركوا انطباعاً عن «تدين المجتمع»

ويبدو من خلال الوثائق والروايات انه جامع بلد مقرن الرئيس أيضاً، ومن المعروف أن ظهور مسمى مقرن جاء قبل ذلك التاريخ المتقدم بأكثر من قرن، وقد استمر مسجد جامع بلد مقرن يؤدي دوره العلمي في الفترات المتعاقبة فيما بعد من احتمال قيام بعض الإمارات المتتابعة بتشييد هذا المسجد أو ترميمه، وذلك إلى زمن إمارة بلد الرياض في عهد “دهام بن دواس”، حيث كان قصره موجوداً بقرب هذا الجامع، واستمر هذا البناء إلى وقت سقوط الدرعية سنة 1233ه (1818)، حيث كان أمير الرياض في تلك الفترة “ناصر بن حمد بن ناصر”، فأمر بعدئذ أن يضم باقي البلد ويجعل لها قلعة واحدة ذات سور ومكان واحد؛ ليسهل لهم السيطرة على البلدة. وعندما ضمت هذه الحارات ازداد عدد السكان، ونتيجة لذلك زيد في مساحة المسجد ليكون كبيراً ذا امكانية قادرة على استيعاب المزيد فيما بعد، وذلك في فترة حكم “ناصر بن حمد” وأخيه “عبدالله” في سنة 1233 الى 1240ه (1818-1825). وكان الجامع خلال تلك الفترة تقام فيه أشهر الحلقات العلمية لعلماء بلد مقرن، إلى جانب كونه جامعة علمية يفد اليها طلاب العلم من مختلف المدن والقرى النجدية، ومن أشهر هذه الحلقات العلمية التي يبدو انها تمت في مسجد جامع مقرن، حلقة الشيخ العلامة الفقيه “عبدالله بن محمد بن ذهلان”، مفتي الديار النجدية المتوفى سنة 1099ه (1688)، حيث درس تلامذته من طلاب العلم فيه، وتخرجوا على يديه واصبحوا فيما بعد من كبار العلماء والقضاة والمفتين، مثل الشيخ العلامة المحقق “عثمان بن أحمد بن قائد الحنبلي”، المتوفى سنة 1097ه (1686)، والشيخ الفقيه “أحمد بن محمد بن منقور” قاضي حوطة سدير، الذي رحل إلى الرياض للدراسة على الشيخ خمس مرات متفرقة والمتوفى سنة 1125ه (1713).
توثيق الرحالة والمؤرخين

وصلت شهرة هذا الجامع ودروسه -الذي يعد أكبر جامع في نجد- بعد منتصف القرن الثالث عشر إلى خارج حدود الجزيرة العربية، حيث يذكر الرحالة الفنلندي “روجر والن” عن الرياض والدروس التي كانت تعقد في مساجدها، وانه كان متحمساً لسماع المحاضرات التي كانت تعقد في جامع الرياض وتترك انطباعاً عن “تدين المجتمع”، بينما ينقل الرحالة “بلجريف” عن هذا المسجد عندما زار الرياض ووصفها وتحدث عنها كثيراً، وذلك في اواخر عام 1279ه (1862) حيث جاء في وصفه لهذا المسجد قوله: (جامع كبير مستوي السطح متوازي الأضلاع قائم على اعمدة خشبية مربعة الشكل، ويتسع لأكثر من ألفي مصل في وقت واحد جله فناء خارجي يتسع لأكثر من ألفين ايضاً خال من الزخرفة أو أي مظهر جمالي آخر، له منارة قصيرة مبنية على سطح المسجد وفوق المحراب مباشرة).

كما يذكر “الريحاني” أن مئذنة الجامع مميزة، بل بسيطة؛ فهي ليست قصيرة أو عالية الارتفاع، وهي مثل المآذن الأخرى لمساجد الرياض، كذلك تحدث عن سلم منبر الجامع الذي يصعد منه الخطيب؛ فذكر أن درجاته قليلة. ويشير “الريحاني” إلى أنه قد دار في ذهنه أن هذا المسجد ذكّره بمسجد قرطبة، وهو نسخة مماثلة لمساجد الأمويين في الأندلس.

وذكر “فلبي” أن الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- يغادر إلى جناحه الخاص ومصلاه فوق الجزء الغربي من المسجد، الذي كان يصل إليه بواسطة جسر مرتفع يربط بين جزءي المسجد عبر السوق، وكان هذا المكان ممتداً بقدر اتساع المسجد، ولكنه لم يكن يتسع لأكثر من صفين طويلين من المصلين، وكان الإمام يؤم المصلين هنا أيضاً من المسجد أسفل هذا المكان، بحيث تظل النوافذ مفتوحة لكي يسمع المصلون صوت الإمام، أما القبلة فكانت ترتفع من المسجد إلى الطابق الأعلى.

ترميمات وتوسعات

مرّ جامع الإمام تركي بن عبدالله (الجامع الكبير) بالرياض بالعديد من التوسعات والترميمات منذ عهد الإمام تركي بن عبدالله، ومن ثم الإمام فيصل بن تركي، وتتابعت التوسعات إلى العهد السعودي الزاهر.

ففي محرم عام 1371ه بدأ العمل بهدم الجامع، وقد استمر العمل لمدة تسعة أشهر، حيث اُفتتح في السابع من رمضان 1371ه، ووسع هذا الجامع وادخل إليه التيار الكهربائي، وعممت فيه المراوح، وأقيمت على جوانبه مكبرات الصوت وفرشت أرضه بالحصى بصفة مؤقتة إلى حين الحصول على الفرش المطلوبة له من الخارج، كما اقيمت فيه أول صلاة للجمعة بعد اتمام عمارته، وضاقت أروقة المسجد بالمصلين فيه منذ ذلك اليوم، وكان في مقدمة الحاضرين الملك سعود ولي العهد، وقد نقلت مكبرات الصوت الخطبة والصلاة إلى المصلين في أنحاء المسجد وخارجه.

وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله- عام 1408ه، وبإشراف مباشر من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض رئيس الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض -آنذاك- بدأ العمل في هدم الجامع الكبير بالرياض؛ ليتلاءم مع الخطة التطويرية لوسط مدينة الرياض، وهو مبنى على نفس موقعه السابق على أرض مساحتها 16800 متر مربع، وفي يوم الثلاثاء 7 رمضان من عام 1412ه افتتح الملك فهد -رحمه الله- المرحلة المنتهية من برنامج تطوير قصر الحكم والجامع الكبير.

بعض مساجد الرياض

بعد الحديث عن جامع الإمام تركي بن عبدالله (الجامع الكبير) نذكر بعضاً من مساجد الرياض الكثيرة في ذلك العهد -التي تعد بالعشرات-، ومن أهمها على سبيل المثال مساجد: دخنة الكبير، دخنة الصغير، المريقب، السدرة، الجفرة، المعيقلية، الظهيرة، الإمام تركي، الديوانية، الحلة، المصمك، قصر الحكم، مسجد الأمير عبدالله بن فيصل، المرقب، القري، الحابوط، الطرادية، أبو شقر، ابن قباع، حوش البرقية، حلة آل حماد، العطايف، ظلما.

الحياة داخل المساجد

كانت المساجد في رمضان كخلية نحل تشهد حركة دائبة؛ فالكل منهمك في تلاوة القرآن الكريم والتسبيح والتهليل وأداء النوافل في نهار رمضان، وإذا ما انتهت صلاة العشاء ترى المصلين يصطفون خلف إمام المسجد في صلاة التراويح وصلاة القيام في العشر الأواخر من رمضان، وبعد صلاة التراويح يبدأ العديد من المصلين صلاة التهجد كل على حدة، وغالباً ما يكون لكل واحد سارية من سواري المسجد قد اعتاد على الصلاة أمامها؛ فيقال هذه سارية فلان من شدة ملازمتهم للصلوات والطاعات.

الحياة خارج المسجد

أما الحياة خارج المسجد في نهار رمضان فقد كان لها شأن آخر؛ فالغالب على الأسواق مشاهدة سواد الناس؛ فالرجال يمشون وهم يلبسون (المشالح) السود وهي صفة التزم بها الرجال في تلك الفترة من الزمن؛ فقمة هندام الرجل أن يمشي وهو يلبس (المشلح) والنساء تلبس العبايات السود، وكل يمشي لغايته من دون تحسس؛ فالحياة الاقتصادية خارج المسجد تعج بالحيوية، و”كلٍ يترزق الله” ويقضي حوائجه رغم الفقر والجوع؛ فهذا سوق التمور يزدهي بمرتاديه الذين ينتقون أفخر أنواع التمور لإفطار رمضان، وهذا سوق الماشية، وبجانبه سوق الخرازين، وبالقرب منه سوق الحطب، وسوق الحراج، وسوق الجملة، والمشالح والخياطين وغيرها من الأسواق العامرة بالبيع والشراء، كذلك من حياة الناس متابعة المارة والتقاط الأخبار والتسلي بالوقت قبيل الغروب وموعد الافطار، حيث يعود الجميع إلى بيوتاتهم لتناول الإفطار والراحة من عناء يوم كامل كان حافلاً بالجد والنشاط؛ ليقوموا بعد العشاء إلى صلاة التراويح، ومن ثم الخلود إلى النوم بعد السحور لمواصلة نشاطهم المعهود في كل يوم.

النوم في المساجد

كان من يأتي إلى الرياض في منتصف القرن الماضي ولا يوجد له أقارب ينام الليل في المسجد بعد صلاة العشاء، حيث كان الظلام حالكا والإنارة معدومة، إلاّ من سراج يحمله المؤذن معه ليلاً إلى بيته بعد أن يغلق المسجد ويعود به لاحقاً إذا أراد أن يؤذن للفجر؛ فينزوي من يريد النوم في إحدى زوايا المسجد، وبعد أن يغلق المؤذن الباب يستمتع بنوم عميق إلى أن يأتي المؤذن لصلاة الفجر فيفتح المسجد فيصلي مع الجماعة الفجر ويذهب إلى حال سبيله، حيث لم تكن هناك نزل للإيجار كالفنادق في ذلك الوقت.

وفي قصة طريفة مرّ بها أحد القاطنين خارج الرياض الذي اعتاد في كل شهر تقريباً أن يأتي من قريته البعيدة ليشتري لوازم دكانه من أسواق الجملة بالرياض، وبعد أن ينتهي من مطلوبه ويجن الليل عليه يذهب إلى ذلك المسجد الطيني الصغير في أطراف الرياض، ويصلي العشاء وينزوي في إحدى زواياه في الظلام، وبعد أن يغلق المؤذن المسجد ينام إلى الفجر.

وفي إحدى المرات، وبعد أن أحذ مضجعه واستغرق في نومه حس بجسد يلتصق به وأنفاس تنفث في وجهه ففزع مذعوراً وسط الظلام، وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهرب إلى زاوية أخرى؛ فقد ظن المسجد مسكوناً بالجن، وبعد فترة لم يكد تغمض عيناه إلاّ وقد عاوده ذلك الجسم الغريب والتصق به وقد كان الجو بارداً جداً؛ ففز أيضاً مذعوراً وهرب إلى زاوية أخرى وكاد أن يزيغ عقله لتكرر ذلك معه طوال الليل، فلم ينم تلك الليلة من الفزع والهرب من ذلك الجسم الغريب، وانتظر بفارغ الصبر حتى طلع الفجر وجاء الفرج، حيث دخل المؤذن يحمل سراجه فكان في لهفة وشوق إلى معرفة من كان معه طوال الليل الذي نغص عليه نومه، وكم كانت المفاجأة كبيرة حينما رأى وجه ذلك الشيء الغريب الذي كان طفلاً “مضيّعا أهله” ولا يتكلم ولا يسمع، وكان أهله يبحثون عليه طوال الليل، فزال عنه همه ولكنه قرر أن لا يبيت بعدها في المسجد وأن يذهب الى قريته بعد فراغه من شغله على الفور وكان موقفاً وتجربة ودرساً لا ينسى.

الرياض – مرات – حمود الضويحي

الاقسام

اعلانات